عندما كنت ادرس في المرحلة الثانوية،سألت مدرس مادة التاريخ وهومن ابناء الشمال، لماذا لم ُيذكر البني عامر في تاريخ السودان،وخاصةً تاريخ الثورة المهدية منه علي وجه الخصوص ،فكانت اجابته ( أن البني عامر كانوا ضدالثورة المهدية وقد حاربوها وناصبوها العداء في مناطق كسلا،و في اقليم القاش بركة في دولة ارتريا اليوم.والتاريخ السوداني لم يذكرتلك الاحداث لتدرس في المدارس حفاظا علي الجيل الحالي والاجيال القادمة من ابناء البني عامر وحتي لايُنظر اليهم بأن اسلافهم كانو غير وطنيين ،وانهم وقفوا مع المستعمر،لهذه الاسباب تقاضي المؤرخين السودانيين عن تاريخهم في تلك الفترة .وللحقيقة اناسلمتُ بكلمات المدرس والتمستُ فيها شئ من المنطق .
و لربما عاد ذلك لقلة معلوماتي عن التاريخ السوداني.
ولكن بعد الاطلاع علي حقيقة التاريخ السوداني في مقبل الايام ،وجدت ان ماذكره استاذنا الجليل كان فيه كثير من التهويل والتجني علي اهلنا البني عامر.
والحقيقة ان البني عامر حاربو المهدية في كسلا ليس لانهم لاينتمون الي هذا الوطن ،ولا هي حرب دينية بين معسكرين مختلفين في العقيدة، ولكن جاء موقف البني عامر انطلاقا من وقوفهم مع الطريقة الختمية التي ناصبت الثورة المهديةالعداء، وهذا الموقف لايخالف الدين ولا الوطنية،حيث ان السودان في ذلك الوقت لم يُحدد بخارطته الجغرافية الحالية ،وان الحزبين الكبيرين الاتحاد الديمقراطي،وحزب الامة لهم صراعات وخلافات سياسية قديماًوحديثاً، كما نجد بالمقابل البني عامر الذين في سواحل البحر الاحمر قد قاتلوا مع عثمان دقنة ضد الانجليز لان الحرب هناك كانت بين مسلمين وكفار،ولم تكن كحروب كسلا التي قاتل البني عامر فيها بجانب (المراغنة) بدعم من الاتراك والمصريين. وحتي هذا الموقف من المهدية في كسلا لم يقفه البني عامر لوحدهم فهنالك قبائل من شرق السودان وقفت نفس الموقف ونذكر منها علي سبيل المثال (الشكرية،والأمرار،والسبدرات،....الخ).
و في شمال السودان، نجد الشايقية الذين كانوا قوام قوات المستعمر التركي المصري، وعملوا باشبوزق وجندرمة وسناجك في جيشه وقاتلوا المهدية، وعملوا أيضا مع الحكم الثنائي في الجيش والشرطة السرية وكان تاريخهم هو سلسلة من التعاون مع كل من يستعمر السودان فهم دائماً مع السلطة. ولاننسي مقالة الاستاذ عبد الخالق محجوب الشايقي الأصيل ،وصف قبيلتة(بأنها القبيلة التي انقسمت على نفسها قسمين نصفها يطارد النصف الآخر،يقصد أن نصفها شيوعيين يطاردهم نصفها الآخر الذي يعمل في الشرطة). فأين الشايقية اليوم، ها هم في قمة السلطة ، حكام،ووزراء، ورئساء اجهزة الأمن، وهم يقبضون على أمن البلاد منذ عهد الأتراك والإنجليز وكل الحكومات التي جاءت بعدهم انتهاءً بنظام الإنقاذ، فهل عايرهم أحد يا ترى بأنهم أحفاد وأبناء عملاء الاستعمار؟
ونجد ان الجعليين ايضاً سافر زعيمهم من قرية( ام الطيور)الي مصر قبل وصول الاستعمار التركي للسودان واشتكى للخديوي محمد علي نزاعه مع المك نمر، ومكث في مصر حتى جاءلشندي وفي معيته حملة اسماعيل باشا هدية للشعب السوداني.
أما في فترة المهدية فالكل يعلم تعاون الجعليين بقيادة زعيمهم (عبد الله ود سعد) مع جيش كتشنر، ومقاومتهم لجيش الخليفة الذي كان بقيادة الأمير محمود ود أحمد. الا أن تعاون الجعليين مع الاستعمارين التركي والبريطاني لم يحرمهم من تولي أعلى مراتب السلطة في السودان.
وحتى غرب السودان الذي يعتبر اكثر الاقاليم السودانية سنداً للثورة المهدية نجد ان قبيلة الرزيقات وقفت ضدالمهدية.
والامثلة في هذا السياق كثيرة جداًويصعب حصرها في هذا المقال.
ولكن حينما يتعلق الأمر بالشماليين فليس هنالك مشكلة في وقوفهم ضد الثورة المهدية ،ويعلم الجميع ان تاريخ المهدية هو عبارة عن تمجيد قبائل الشمال وذكر بطولاتها وتضحياتها .واما القبائل الاخري فهي عميلة ويمنع سرد تاريخها لانها وقفت ضد السودان وحاربت مع المستعمر حتي اتاحت له استعمار الارض والانسان...مالكم كيف تحكمون؟
وهنالك جوانب كثيرة من تاريخ البني عامر ،لم تذكر في تاريخ السودان، ونحن نورد فيما يلي ملامح محددة من ذلك التاريخ الثروذلك علي سبيل المثال لاالحصر:-
* ابرام الحكومة المصرية في العام 1848م اتفاقية مع دقلل( حامد بك محمد) لحمايةالحدود الشرقية من هجمات الحبشه وقد رعي دقلل حامد عهده حتي مات دونه في معركة( قندت )عام 1875م وهو يقود فرسان البني عامر ضد الامبراطور الحبشي يوحنا .
*مااورده بروفيسر ابوسليم في كتابه (محررات عثمان دقنة ،2004م ،ص19)بالرقم (22) خطاب من عثمان دقنة الي الخليفة في 28 ربيع الثاني 1305هـ (12/1/1888م) ما يلي ((ومن بعد حضورنا بهذا المحل (بقصد طوكر)عينا الحبيب (محمد ود حامد) من راية الحبيب( محمد عثمان ابو قرجة) لجهةالبني عامر التي بتوكر، أ.هـ)) . (هذا الخطاب يضحض مزاعم اشباه المثقفين من ابناء البجا بأن طوكرليس من مناطق البني عامر).
*تطوع ابناء البني عامرفي الحرب العالمية الثانية للقتال في صف قوات الحلفاء عندما اعلنت بريطانيا منح السودان حق تقرير المصير لوحارب السودانيين ضمن قواتهم ،فكون البني عامر الفرقة الشرقية التي كانت مقصورة عليهم ولم يسألهم احد آنذاك مااذا كانوا من بني عامر ارتريا او السودان،واستطاعوا بما قدموا من ارواح وتضحيات دحر الجيوش الايطالية ،ولم يتوقف نضال البني عامر عند الحرب العالمية الثانية،فبعدها واصلوا الكفاح المسلح ضد الانجليزبقيادة زعيمهم (علي ممتاز)(بنطاز)فيما عرف بحروب الشفته بمنطقة شرق السودان وتغلبوا عليهم في اكثر من معركة .
ولاننسي نضال حامد ادريس عواتي ضد الاحتلال البريطاني بعد عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
[ للتسجيل اضغط هنا ] عندما عاد عواتي إلى قريته حيث قام بممارسة الزراعة وامتلاك الماشية وتربيتها.و قام الجنود البريطانيون حينها بحملة للبحث عن الأسلحة في المنطقة الغربية صادروا خلالها ممتلكات عدد من سكان منطقة بركة والقاش وقاموا بقتل ماشيتهم مما جعل عواتي يتصدى لهم ويقتل جندياً بريطانياً. قام عواتي بتجهيز 40 مسلحاً نشطوا عسكرياً ضد الجيش البريطاني الاستعماري وكبدوه خسائر فادحة ، ونظمت السلطات البريطانية العديد من الحملات دون أن تستطيع القبض على عواتي وجميعها فشلت. ولم تصرف مقاومة الإنجليز حامدا عن النهوض بمهمة الدفاع عن الشعب .وعلى الرغم من أن حامد عواتي كان قد رفض بيانات عفو عديدة أصدرها الإنجليز إلا أنه قبل العودة بموجب بيان العفو الذي أصدروه في يونيو 1951م بعد أن وافق الإنجليز على شرطين له هما :
§ طي صفحة الماضي.
§ منحه أربع قطع سلاح يحمي بها نفسه والمنطقة التي يسكن بها ، وهي حسب ما ورد في الاتفاق المنطقة الممتدة بين " قرست " و " فانكو " بالقاش.
§ وقد يسأل سائل ماعلاقة حامد ادريس عواتي بالنضال التحرري بالسودان وان منطقة القاش بركة اليوم تقع ضمن اراضي دولة ارتريا .
* والجواب ببساطة شديدة ،ان مناطق البني عامرفي ارتريا اليوم لم تنفصل ابداًعن امتدادها الطبيعي بشرق السودان وهي تتأثر بها وتؤثرعليهاعلي مر التاريخ وحتي يومنا هذا،رغم ان حكومة الشمال اتخذت ذلك زريعة لحرمان البني عامر من حقوقهم المشروعة في اقتسام السلطة والثروة في السودان بحجة ان القبائل الحدودية تعتبر مهدد لأمن الدولة،لذلك لايجب وضعهم في المناصب الوزارية السيادية ،و المناصب الكبيرة في اجهزة الأمن والمخابرات.
و يعلم الشماليين ان حامد ادريس عواتي كان نائباً لمحافظ مدينة كسلا لقرابة العام في الاربعينيان من القرن السابق وذلك قبل معرفتهم ملامح الدولة السودانية.
§ كما يعلم الشماليين ان اول نواة للجيش السوداني هي الاورطة الشرقية وانها كانت تتكون من ابناء البني عامر،وتقديرا لبسالة فرسانهم تم اختيار الشوتال شعاراً لها .
§ (اورد الدكتور السيد عبد العزيز سالم استاذ التاريخ الاسلامي والحضارات الاسلامية ، كلية الاداب : جامعة الاسكندرية ،" في كتابه البحر الاحمر في التاريخ الاسلامي" طبعة 1993 ، ان العناصر السكانية في وادي النيل بداية عهد دولة المماليك (ان البني عامر يمتدون من جنوب سوهاج "القصير" وحتي جنوب مصوع وموضح هذه في خريطة قديمة جداً (مصادر وخرائط ص220- 256) ).(ووفق مااورده الدكتور السيد عبد العزيز،ان البني عامرفي ذلك التاريخ كانوا ينتشرون في ثلاث دول،ارتريا،السودان،مصر )
§والبني عامر يتوزعون اليوم بين السودان واريتريا وفق ما فرضه عليهم الاستعمار، وليس هم الوحيدين في السودان الذين ينقسمون بين دولتين، فكل قبائل السودان الحدودية تنقسم بين السودان ودول الجوار، وهذا شيء طبيعي يحدث في كل أرجاء العالم! وأن معظم قبائل الجنوب مقسمة بين السودان وجيرانه، وكذلك قبائل دارفور مثل الرزيقات والمساليت والفور والزغاوةوغيرها .وفي شمال شرق السودان هنالك العبابدة والبشاريين، وفي شمال السودان المحس والنوبيين بين مصروالسودان.
§ فهل البني عامر هنا استثناء، أم هو الكيل بمكيالين، إن البني عامر مع أرضهم ولا يحتاجون لشهادة مواطنة من أي كائن من كان، والذي لا يعترف بهم فهم ليس بحاجة له، والسودان الحالي بحدوده الحالية هو صناعة استعمارية وهو قطربلا أمة!
§ الأن تمثل قبائل البني عامر تجمعاً سكانياً ضخماً يمتد في ولايات الشرق الثلاثة (ولاية البحر الاحمر - كسلا - القضارف ) اضافة لمناطق السودان الاخري وداخل العمق الارتري .
§ ويمثلوا قوة اقتصادية كبيرة في الزراعة والثروة الحيوانية اضافة للتجارة الحدوديةوتجارة الجملة(رغم ان الحكومة السودانية اثقلت كاهلهم بالضرائب) وهم امة ملتزمة بالدين الاسلامي .والآن نالو قسط وافر من التعليم بكافة مراحله مماأهل أبناءهم لولوج مجال الخدمة العامة والوصول للوظائف العليا بالدولة .والجيل الحالي له طموح واهداف سوف تري النور قريباً بأذن الله.